مقدمة حزينة .. لغضب المدينة القديمة
للصحفي الشاب" خيري جبودة"
بينما كنت أتنقّل على أقدام روحي في شوارع المدينة القديمة (طرابلس) ، وعيوني تغتسل بتفاصيل هذه المدينة المعتقة بتاريخها الصاخب كرفيقها البحر.. إذا بقلبي يصدر آآه مبحوحة على هذا الجمال الذي يتعرّض للانهيار, تحت أنظار إنسانيتنا الباقية, دون أخذ خطوات سريعة للحفاظ عليه, وتحول فرحى بهذا الأثر الإنساني الخلاب إلى هلع، وانأ أرى أن الكثير من الذين يعيشون في بيوتها ليس هناك ضوابط تحكمهم من حيث الإقامة أو نوع العمل الذي يمتهنونه, ودون أي شيء من هذا, يمتدون في نسيج هذه المدينة, كلحن نشاز, يباغت أغنية (شارعنا القديم يا ما لعبنا فيه) .. هل ألمتنا آثار العراق حين دمّر الكثير منها .. نعم .. ورغم ذلك ها نحن بإهمالنا نعيد نفس الأمر، ونترك مدينتنا للخراب والفساد.
أهذه هي طرابلس القديمة, "المدينة البيضاء" التي وصفها أحد الرحّالة العرب في القرن الثالث عشر بأن بياضها كاد أن يغشي الأبصار.. أهذه هي المدينة التي تطل على البحر المتوسط وفي قلبه كأغنية عشق معتّقة .. أهذه هي عروس البحر, التي تشاغبك حجارة طرقها وأبنيتها المتصوّفة ذات الأقواس التي تشعر الداخل إلى أبوابها, بأنه يدخل إلى قلب حبيبة قديمة أحبها الجميع فكانت لهم, طرابلس التي تتجاذبك قصص أزقّتها وممرات ظلالها, لتُسكن في قلبك العناق الطفولي الحميم لرائحة الملح والحجر.. كيف بالله أستطيع أن أدير عيني عن جمالها الباذخ .. كعروس عذراء إلى رؤية المشهد المؤلم لآهاتها .. آه يا طرابلس.. يا مقدمة الوجع لمدن الملح والزيتون والنخيل.. أيتها الفاتنة التي تقف في مقدمة مدننا الغالية علينا كأرواحنا كيف أصيغ اللعنة في حضورك ومقامك لا يقبل الشتم .. كيف يترك جسدك كأعشاش للضالين والضائعين .. كيف تترك روحك تبكي للبحر طفولتها وشبابها الذي يتساقط جمراً ملتهباً في أرواحنا .. كيف .. هل أصرخ على امتداد الوطن أفيقوا أيها المساكين .. أيها المخمورون بالنهب والموت .. أفيقوا وإلا نزلت عليكم لعنة البحر.. هل أرفع قلبي متظاهراً في الشوارع كي أسمع الخلق موسيقاه التي تبكيك.. آه يا طرابلس يا مقدمة الوجع لمدن الملح والنخيل والزيتون..
أضيئي بملحك جروحنا .. طهّري بملحك جروحنا.
كتبها أحمد الوحيشي في 09:39 مساءً ::
الاسم: أحمد الوحيشي
