رجل القمر
للصحفي الشاب" مصطفي حمودة
(زهرة الجبل والفارس المهزوم)
لو كان القمر على علمٍ بما يخبّأه له القدر ما برح قمة الجبل الأبيض وما فاته مولد أجمل كائن على وجه الأرض.
أدبر آخر ليلٍ شتوي وتنفّس الصباح إيذاناً بميلاد شمس أول يوم ربيعي ... فتحت الشمس عيناها على حلةٍ بيضاء تكسوا قمّة الجبل الشامخ الذي استقبلها بحفاوة استبدلت على إثر الشمس المشرقة حزنا ًفي تلك اللحظة البارقة التي ذاب فيها الثلج وأخذ ينحدر من سفح الجبل نحو الأسفل فبدأت ترمقه بنظراتٍ جد آسفة ومخجوجلة فهي لم تجيء لهذا المكان لتسلبه ثوبه الأبيض الناصع الجميل ولكن ذلك خارج عن إرادتها لأنها غير قادرة ًعلى أن تمسك بدفء نورها الذي سيهب الحياة إلى البسيطة بعد سبات طويل . ومع ذلك طمأنته ووعدته بأنّها ستهبه الاخضرار.. ووهبته .. وستجعل منه قبلة الباحثين عن الجمال الرباني .. وجعلته .. إلا أن حزنه لم ينقطع ... فعلمت بأنه يؤثر البياض ولا سبيل لإرجاع الزهو إليه إلا بإرجاع بياضه إليه لكن من المستحيلات أن يعود الشتاء بعد أن أدبر و إلا فسيختل النظام الكوني ويصيب الحياة الفتور والملل . ظلت في كل نهار تحاول مواساته إلا أن ذلك لا يجدي نفعا ًمعه .. فرأت بأن حزنه هذا سيطول ... سجدت لله فألهمها إلهاما ًأيًّما إلهام .. انفجر من باطن الأرض بفعلها (أي الشمس) الكنز الدفين فأهدته إياه إكراماً له ولشموخه .. لأنها لا تمني النفس بأن تراه ينكس هامته حزنا ًعلى ذهاب بياضه الذي صار كحمامة حلًّقت لتصير سحابة ً تعانق من شوقها الدفين باقي السحب ..
عسعس الليل وتبعثرت النجوم في أرجاءه والقمر مكتملاً مملوء بالعنفوان يتلألأ كلؤلؤة في عمق البحار .. وإذا به يتوهج (القمر) .. مرسلا ً بنوره إلى الأرض على هيئة رجل .. فارسٍ أبيض اللون مجنحا ً في جعبته نايٌ عجيب وبضع فوانيس وقوس ذهبي ٌ وسهام ٌ من نور و نار .. يعزف بنايه لحنا ًشجيا ًتهتز له السماء فتنفطر وتتصدع إذا بالشمس ترسل كرات ٍمن لهب فلا تلبث أن تتحد فتصير فرساً مجنحة ً جامحة حالما يصطادها رجل القمر يروّضها فتألفه ... فيدأب عليها في سعيه ينشر الفوانيس ويعلّق كل فانوس في عمد من أعمدة السماء لتصبح نجوما ً، تتلألأ حالما يصوّب عليها قوسه ويصيبها بسهامه النورانية .. وحالما تستنير على إثر ذلك الأرض وقبيل أن يعود لأخذها قبيل إشراق كل شمس - أي الفوانيس-
بفرسه التي جندل الكون على وقع سنابكها أخذ ينحدر من قمة الجبل إلى الأسفل متنقلا ًبين الروض الأخضر وحشائش السفانا الشديدة الاخضرار ، اقتحم النهر فبدأت تتناثر شظايا من البلور المكسور الذي تحدثها الفرس على وقع اصطدام حوافرها بواجهة النهر الزجاجية ، وإذا برجل القمر يأخذ نفسا ًعميقا ًجدا ًوينفخ بكل ما أوتي من قوة ًالهواء من صدره فيبعث بدفء أنفاسه الحياة إلى الأرض الذي تجمدت الحياة فيها ما بين لحظتين ، لحظة غروب الشمس ولحظة بزوغ القمر، فعم الخير بعد أن لفحت هذه الأنفاس الأنهار.. فأذابتها، والأشجار.. فخضًّرتها، والثمار.. ففكَّهتها ، وعلى القلوب .. حتى سكنها الدفء ..
وعلى مقربة من أحد الأنْهُر المنتشرة في أرجاء شتى من المكان .. نزل الفارس من على ظهر فرسه ليروي ظمأه من عذوبته المفرطة لكنه ساكنٌ ولا يجري والأشجار لا تعزف سمفونيتها المعتادة عندما يحاكيها نسيم الجبل والثمر ناضج دونما مذاق أو رائحة .. عزف بنايه لحنا ًحطم وهم السكون من عيني الطبيعة . جرت الأنهر فلم يشرب حتى اطمأن على أن الثمار قد أينعت . حمد الله بعد أن سمّى باسمه وهو يشرب . جلس على إحدى ضفتيه تحت شجرة توت كان قد تناول منها بضع من ثمرات كما تناول من شجرة بقربه ثمرة تفاح .. وبدأ يتابع عزفه ويلقي بأشعاره وصدى نايه وصوته يرتدا . فقذفت الأرض بكنزها من الباطن بفعل الماء إذا برائحة زكية تعبق بشذاها المكان وكأنّ صاحبها أرسلها إليه ليضفي عليه متنفساً ينشده ويمنحه الدفقة التي تجعله يصدر عن نفسه ألحاناً وكلمات نابعة من فطرته ... اشتمها بعمق وكأنه لم يتنفس في أمد حياته بعد أن كان يرسم على ذرات الرمال بذات الناي أشكالاً غريبة لم يألفها من قبل ولم يتفطن لنفسه إذ كان يفعل ذلك في حالة لا وعي منه إي لا شعورياً .. بدأ يحاول اقتفاء مصدر هذه الرائحة مفتشا ًبين الأشجار وشجيرات السفانا وبين الجداول عبر إلى الطرف الآخر حيث الضفة المقابلة للنهر وبدأ يتجول بناظريه في أرجاء شتى من المكان علًّه يهتدي لمصدرها ( الرائحة الزكية ) وفجأة ً. يتأوه . وااااااااااااااه ... يا لله .. ماذا عساه يكون هذا الشيء الجميل؟ .... لقد فتنته صاحبة هذه الرائحة هي لم تكن ملاكاً أو جنية بل زهرة بيظاء نقية .. وهي التي وهبتها الشمس للجبل إكراماً له ولشموخه .
بدت الوردة في عينيه تتراقص وهي تتمايل مع نسيم الجبل الذي بدا وكأنه أبٌ يداعب طفلته مهدياً إياها أروع عبارات الود التي علّمته إيّاها الطيور العائدة من رحلة مضنية للبحث عن الربيع الدائم.. بديعة في منظرها .. إذا ما وقعت عليها الأعين إلا واشتهت اقتطافها .. أضفى عبق شذاها على المكان جوا ً شاعريا ً زاخما ً بالرومانسية الحالمة (الكلاسيكية) .. انتابته السعادة التي كان يرجوها والتي لم يكن ليعهد لها مثيل من ذي قبل . وهو الذي دائماً ما ينفك يشدّ الرحال باحثاً عن الجمال الإلهي والذي لم يعهد مثله بتاتا ً.
وفجأة إذا بصوتٍ يتردّد صداه يحثه على اقتطافها كي تمنحه السعادة الأبدية والخلود التي ظل ردحاً من الزمن ينشدهما .. التفت من حوله لكنه لم يجد صاحبه (الصدى) فلم يأبه له ولم يستجب لأوامره .. مكتفياً بالتحديق فيها حتى اغتنت عينياه بسحرها الأخًّاذ .. ومن ثمّ همّ يلملم فوانيسه التي بعثرها من قبل ُفي أرجاء السماء وركب فرسه وغادر على أمل أن يعود إليها مع كل ليلة يبزغ فيها القمر يزورها ويقضي ما تبقّى له من الوقت بمقربة منها لأنه شعر بأنه في أمس الحاجة لها وهي كذلك .
وبعد أن يقوم بنشر فوانيسه دون أن يتهاون في مهمته في تعميم النور في أرجاء الأرض . وسيتعمق هذا الشعور عندما يشعر بأن الخطر متربص بها ويداهمها .. وأن هناك من سيقتلعها من جذورها على حين غرة منه وهي لا تقوى على الدفاع عن نفسها لرقتها . بدأ ينقيها ويسقيها من النهر ويسلط عليها بقعة من الضوء المبهرة . على أن يقوم بإطفائها حالما يتبين إليه الخطر. وجد نفسه يقاتل الوحوش ويقف سداً منيعا ًبينها وبين الدواب والوحوش التي تريد التهامها ..
وفي ليلة من الليالي وبينما كان يترقبها وهو مستلقياً على ضفة النهر وقدميه تلهوان بالماء بدأ يترقب القمر في ذروة علاه فرأى بأنه آخذٌ في الهبوط رويدا ًرويداً .. استدعى بنايه العجيب فرسه فامتطاها مسرعا ًووكزها وانطلق صوب الفوانيس يلملمها لينجز مهمته بأسرع ما يمكنه من الزمن . ليلحق بالقمر حيث مسكنه حيث أن كل ما منحته السماء في ليل قد ردته لنفسها سوى الرجل وفرسه ... وقبل أن يغادر الأرض انحنى مودعا ًزهرته وما أن هم بالمغادرة . إذا بالصوت الذي كان قد سمعه من قبل يناديه بقوة وبأس شديد يأمره بأخذها معه فخطر الغرباء سيداهمها وسيفتك بها .. فأجاب بصوت أعلى يوزعه في أرجاء المكان بعد أن ضم راحتي يديه إلى فاه. نحن لا نقتلع الأحياء من طينتهم .
قال له الصدى بأن بقائها هنا دونه لن يضمن لها الأمن فليس أمامه من خيار سوى أن يأخذها وهو أمر هيّن .. أو يبقى معها سائر الأيام وهو من المستحيلات .
فعرف الفارس بأنه إن هو أخذها سيدمرها لأنها لن تحتمل العيش في موطنه دونما ماء أو هواء أو دفء شمس و خضرة شجر وشجيرات تطوقها أو حتى طيوراً وفراشات تغازلها.
وكز فرسه وهددها بسهامه كي تعود للسماء حيث مسكنها لكن في إبائها وإخلاصها ظلّت هائمة ً على أعقابها شاردةً بين محاولة التحليق إلى السماء وبين العودة إليه حتى انبلج نور الصباح فالتهمتها بعد أن بعثرت ذراتها النورانية فتلاشت تماما ً.
وربما هو ذات الحال الذي أتنبئه للفارس الذي ستتأزم حياته . حيث لم يجد له مكاناً بين نور الشمس وظل مختبأً في شقوق وتصدعات الجبال كي لا يفقد طاقته . وبالفعل صارت حياته مراراً وكل ذلك ليفتدي الزهرة . كان حريصاً على مراقبتها وخاض قتالات عظيمة ورأى أهوالا ً أشد وأعظم مع كل من سولت له نفسه الاقتراب من زهرته حتى بدأت قواه تخور رويداً .. رويداً .
ظهر له الصدى يحثه على اقتطافها لتعود إليه قوته ورونقه وبهائه . لكن وكأنه "لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم" .كان يريد منه أن يقع في أية نكرة فأخبره بأن يسرق النور من فوانيس الشمس المبعثرة في أرجاء المكان لكنه لم يشأ لمزاعمه بأنها من حق الطبيعة .
كان يعلم بأن هذا الصدى اختباراً له .. وأنه يسعى للفتك به . كان يعلم بأنه يسعى لكي يفرق بينه وبينها لأنه سيشكل معها قوة ًعظيمة وامتدادا ًعظيما ً.. المهم أن ينتهي أحدهما .
علم القمر بنية الفارس النبيلة لكنه لم يفعل شيئاً إزاءه .. فقط الانتظار عما ستسفر عنه الأمور وإن كان الفارس جديرا ً فسيرسو بالزهرة إلى بر الأمان . وصار الفارس يسلّط بصره عليها ولا يزيحهما عنها أبداً وإذا ما اقترب منها أحد رماه بقوسه بسهم من نور في عينيه يجعله لا يبصر شيئاً أمامه .
وفجأة .. كان حينها الوقت نهاراً ومن مكانٍ غير منظور تنشق الأرض ويخرج مارداً أزرق خلفه تشتعل ناراً هائلة وصار يحطم الأغلال والأصفاد من على جسده يزيح شباك العنكبوت وينفخ الغبار عن جسده حيث شكله أقصى ما يمكنني التعبير عنه هو أنه مرعب وجد مخيف لو قدّر لك رؤيته لتصلبت أطرافك وانعقد لسانك وتوقف قلبك عن النبض .. حاول الشبح اقتلاعها بأنيابه ومخالبه فأرسل الفارس سهام النور باتجاهه ليعيق مهمته الشريرة إلا أنها غير ذات جدوى لأنها تصل الشبح منكسرة بتأثير قوة نور الشمس التي كان من المفروض أن تضعف من وهجها لتحفز السماء على ولادة الغيوم ومن ثم تختبأ هي خلفها .
اقترب الفارس من المارد وبدأ يصارعه لكنه لم يقوى عليه فقد نفذ ما في جعبته من نور . والقمر لا يمكنه المجيء نهاراً ليلهمه الطاقة الكافية التي سيعينه بها . سقط لا يقوى على الحراك . وهو يرى الشبح يقتلع الزهرة أمام عينيه وهي تتوسل النجدة من الفارس المهزوم .. ويغادر بها إلى مكان غير معلوم .. تاركاً منها أشواكها التي لا يجرؤا عليها .. وبدا يتلاشى عن أنظار الفارس شيئاً فشيئا ً..
وبدأ الفارس يبكي بدموع ... والغريب ... من أين أتى بالدموع؟.
اقترب من الأشواك ، وبحرارة أمسكها بقبضة قوية . فشكته الأشواك وبدأ الدم يتقاطر من يده هي ليست من ساق الزهرة تمعّن في مصدر الدم فوجدها تنزف من يده .
والأغرب من ذلك .. من أين أتت الدماء؟.
ابتسم .. بدأ ينبض بين جوانحه قلب أو ربما أشبه بالقلب .. بدأ يتحسسه بيديه الداميتين .. وبدأت تتغير ملامحه فصارت أشبه إلى الإنسان منها لأي شيء آخر .. استجمعت القوة في جسده وصار يركض على غير هدى .. لأنه يعلم أن أمامه مهمة شاقة وعسيرة .. رسا بمقربة من النهر حيث شده الحنين للأشكال الغريبة التي رسمها على الرمال إذا بهما يأخذان طريقهما إلى النهر، سرّه جمالهما فجلس على الضفة يرقبهما وهما يتقافزا صوب قدماه بينما يرمي لهما بفتات خبز
كتبها أحمد الوحيشي في 09:47 مساءً ::
اشكرك على هذا النص المعبر واتمنى لك التالق دائماوكل عام وانت بخير
اخيك الريانى
الاسم: أحمد الوحيشي
